الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية بقلم المنصف بن مراد: هل وقعت محاولة انقلاب عـلـى راشـد الغـنّـوشــي؟

نشر في  01 جوان 2016  (10:53)

الى متشدّدي النهضة أقولها بالصوت العالي: لم ولن تنجحوا في اخضاع هذا الشعب العظيم حتى ان كان لكم أنصار يساندونكم وذلك لأسباب بسيطة، فشقّ كبير من التونسيين يتألف من نساء وديمقراطيين ونخب واتحاد الشغل وشباب ومبدعين وطبقة وسطى متفتحة وأحزاب ومجتمع مدني مصمّمون على ألاّ يتركوا بلادنا التي تعود نشأتها الى 4000  سنة خلت (انطلاقا من البربر) بأيدي «عشّاق» الدين الذين يخطّطون لـ«أسلمة شعب مسلم».. انّ تاريخ الشعوب المتطورة يؤكد ان «جمهورية الأيمة» ليس لها مكان في الزمن المعاصر، ولقد تغيرت كلّ الأحزاب المسيحية وحتى البوذية كي تتأقلم مع محيطها وتطور الفكر الانساني..لقد أصبحت الأمم الغربية والآسيويّة في مقدّمة الأمم على جميع الأصعدة في حين كان الاسلام السياسي أو بالأحرى تجار الدين وراء قتل مليون مسلم وتشريد الملايين وتدمير مدن بأكملها! وبذلك أعطوا صورة في منتهى القتامة عن الاسلام.. انّ المطلوب منكم هو ان تتخلّوا عن مشروعكم العقائدي لأنّ الشّعوب بحاجة الى علماء لا «إلى جمهورية الأيمة الحمر».. لقد أحلّ الاسلام السياسي الخراب ببعض البلدان العربية وأعاد الشعوب العربية الى القرن 18 ودفع بها في نفق حالك الظلام!

لنمرّ الى المؤتمر العاشر لحركة النهضة الذي دعا الى الفصل بين السياسي والدعوي وهذا أمر لا يصدّقه اي عاقل لأنّه لا يمكن لحزب عقائدي ان يغيّر طبيعته وتفكير قياداته بجرّة قلم ناهيك انّه الحزب الثاني في تونس!
وإذا تعمّقنا في قراءة المؤتمر العاشر لحركة النهضة هناك أرقام وتصريحات تثبت انّ الطرف الأكثر تشدّدا كان له تأثير على مجرى الأشغال ونتائج الاقتراع..
فصلب الحزب صقور لن يرموا المنديل وهم الى حدّ السّاعة يهددون اختيارات السيد راشد الغنوشي، وهنا لا بأس أن نذكر بأنّ رئيس الحركة تدخل سنتي 2013 و2014 لانقاذ حزبه  من غضب شعب رفض أخطاء حكومات الترويكا وتهديد الحريات.. ولولا عقلانية الغنوشي وجنوحه الى التوافق لكان مصير الحزب مجهولا وان كان من بينه عنيفون ومتشدّدون واكثر من ذلك.. لقد جنبت قرارات رئيس الحزب بلادنا حربا أهلية كان المتشدّدون سيهزمون في نهايتها، كما انسلخ حزب الغنوشي من المنظّمة الاخوانية العالمية خضوعا للضغوطات الأمريكيّة وربما لتأثيرها على الساحة العربيّة والتونسية بعد ان صنّفت واشنطن الحركة الاسلامية في خانة المنظّمات الارهابية!
والثابت ان هناك صراعات بين المتشددين وهم عديدون وأغلبهم من سجنوا في تونس وبين البراقماتيين وأغلبهم ممن هاجروا الى أوروبا، وأبلغ دليل على هذه الخلافات الأرقام، ومنذ متى كانت الأرقام تكذب!

خلال المؤتمر صوّت المؤتمرون لاختيار من يسيّر اشغالهم وكان في السباق مترشحان، الأول نور الدين البحيري وهو من انصار السيد راشد الغنوشي وقد جمع 414 صوتا، في حين أحرز علي لعريض ـ وهو من الصقور ـ 678 صوتا ممّا يبرهن على انّ المتشدّدين وظّفوا الانتخابات المحلّية والجهوية لفائدة تيّارهم في حين كان رئيس الحركة منشغلا بأبرز القضايا والملفّات والمشاكل ومن بينها انقاذ حزب النهضة..
هذه الأرقام تدلّ بما لا يدع مجالا للشكّ على انّ المتشبّثين بالجذور العقائدية وربما الصدام، نجحوا في اختيار اصدقائهم وانصارهم لفرض توازنات في مصلحتهم خلال المؤتمر.. وحتى ان لم يعلن علي لعريض وعبد اللطيف المكّي وعبد الحميد الجلاصي رفضهم للفصل بين الديني والدعوي فقد أكّدوا وكرّروا علاقتهم وعلاقة حزبهم بالمرجعية الاسلامية ومرّروا رسالة واضحة للسيد راشد الغنوشي ومسانديه مفادها انّه لا يمكن تغيير هوية الحركة بصفة جذريّة ولا اتّخاذ قرارات مصيرية دون استشارتهم!
أما الرّقم الثاني فهو أيضا مؤشّر واضح على تحكم الصقور في توجّهات الحركة، وهل أبلغ من حصول السيد راشد الغنوشي على 526 صوتا في انتخابات مجلس الشورى في حين حصل الأول وهو فتحي العيادي على 828 صوتا... كانت هذه الرسالة الثانية التي أبلغها الصقور لراشد الغنوشي الذي انقذ حزبهم وربما حياتهم جرّاء أخطاء فادحة فكان ذلك جزاءه!
وأمام هذه الأرقام التي تهدّد حزب النهضة  العقائدي لأنّها تؤكد وجود شقّ متشدّد لا يفهم طبيعة هذا الشعب ولا تهمه مصلحة البلاد، تفطن السيد راشد الغنوشي الى هذه المؤامرة وطالب بأن يعيّن رئيس الحركة المكتب التنفيذي المتكوّن من 25 عضوا بينما طالب المتشدّدون بانتخاب المكتب من قبل المؤتمرين وهم على يقين من  انّ الأغلبيّة تساند اختياراتهم.. وفي ظلّ ذلك هدّد الغنّوشي بالاستقالة، وحفاظا على وحدة الحركة تركوا للسيد راشد امكانية اختيار المكتب التنفيذي مع تزكية اعضائه من قبل مجلس الشورى اي من قبل المتشدّدين علما انّ نسبة التجديد في هذا المجلس تناهز 10 ٪ وانّ شورو واللوز وأغلب المقتنعين بضرورة تغيير هوية الشعب التونسي ـ ومنهم عدد من الشباب ـ موجودون  ونافذون الآن في الحزب..

ثمّ يكفي ان نستعرض الميولات السياسية للأغلبية الساحقة من أعضاء مجلس الشورى حتى نقتنع بأنّ عدد المدافعين عن وسطية الشعب التونسي والحريات ضئيل وأمّا أغلبيّة الأعضاء فصقور..
  وفي الأثناء تبقى لرئيس الحزب امكانيّة تعديل الموازين داخل حزبه وذلك بتعيين 51 عضوا من أنصاره في مجلس الشورى (من نساء ومتفتّحين) و25 عضوا في المكتب التنفيذي حتى تكون لديه امكانية التأثير على قرارات الحزب.. لقد نجح السيد راشد الغنوشي في المحافظة على وحدة حزبه لكن لابدّ من الإقرار بأنّ هناك حزبين داخل النهضة، الأوّل متشدّد والثاني براقماتي لكنّه متجذّر في العقيدة وستثبت الأشهر القادمة صحّة تحليلي... إنّ مدنية حزب النهضة تتطلب إثباتات ملموسة وتجسيدا وفترة طويلة من الزمن!